محمد بن جرير الطبري
178
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن بعض أهل العلم ، عن وهب بن منبه ، أن داود حين دخل محرابه ذلك اليوم ، قال : لا يدخلن علي محرابي اليوم أحد حتى الليل ، ولا يشغلني شئ عما خلوت له حتى أمسي ودخل محرابه ، ونشر زبوره يقرؤه وفي المحراب كوة تطلعه على تلك الجنينة ، فبينا هو جالس يقرأ زبوره ، إذ أقبلت حمامة من ذهب حتى وقعت في الكوة ، فرفع رأسه فرآها ، فأعجبته ، ثم ذكر ما كان قال : لا يشغله شئ عما دخل له ، فنكس رأسه وأقبل على زبوره ، فتصوبت الحمامة للبلاء والاختبار من الكوة ، فوقعت بين يديه ، فتناولها بيده ، فاستأخرت غير بعيد ، فاتبعها ، فنهضت إلى الكوة ، فتناولها في الكوة ، فتصوبت إلى الجنينة ، فأتبعها بصره أين تقع ، فإذا المرأة جالسة تغتسل بهيئة الله أعلم بها في الجمال والحسن والخلق فيزعمون أنها لما رأته نقضت رأسها فوارت به جسدها منه ، واختطفت قلبه ، ورجع إلى زبوره ومجلسه ، وهي من شأنه لا يفارق قلبه ذكرها . وتمادى به البلاء حتى أغزى زوجها ، ثم أمر صاحب جيشه فيما يزعم أهل الكتاب أن يقدم زوجها للمهالك حتى أصابه بعض ما راد به من الهلاك ، ولداود تسع وتسعون امرأة فلما أصيب زوجها خطبها داود فنكحها ، فبعث الله إليه وهو في محرابه ملكين يختمصان إليه ، مثلا يضربه له ولصاحبه ، فلم يرع داود إلا بهما واقفين على رأسه في محرابه ، فقال : ما أدخلكما علي ؟ قالا : لا تخف لم ندخل لبأس ولا لريبة خصمان بغى بعضنا على بعض فجئناك لتقضي بيننا فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط : أي احملنا على الحق ، ولا تخالف بنا إلى غيره قال الملك الذي يتكلم عن أوريا بن جنانيا زوج المرأة : إن هذا أخي أي على ديني له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها أي احملني عليها ، ثم عزني في الخطاب : أي قهرني في الخطاب ، وكان أقوى مني هو وأعز ، فحاز نعجتي إلى نعاجه وتركني لا شئ لي فغضب داود ، فنظر إلى خصمه الذي لم يتكلم ، فقال : لئن كان صدقني ما يقول ، لأضربن بين عينيك بالفأس ثم ارعوى داود ، فعرف أنه هو الذي يراد بما صنع في امرأة أوريا ، فوقع ساجدا تائبا منيبا باكيا ، فسجد أربعين صباحا صائما لا يأكل فيها ولا يشرب ، حتى أنبت دمعه الخضر تحت وجهه ، وحتى أندب السجود في لحم وجهه ، فتاب الله عليه وقبل منه . ويزعمون أنه قال : أي رب هذا غفرت ما جنيت في شأن المرأة ، فكيف بدم القتيل المظلوم ؟ قيل له : يا داود ، فيما زعم أهل الكتاب ، أما إن ربك لم يظلمه بدمه ، ولكنه